استحمّيتُ حماي المشلۏل سرًّا… لكن العلامة على جسده كشفت سرًّا دفنته طفولتي

إصابته بالجلطة
ارتسمت على وجهه ابتسامة خاڤتة.
لم تكن ابتسامة فرح
ولا ابتسامة انتصار
بل ابتسامة رجل اطمأن أخيرا
أن تضحيته لم تساء فهمها
وأن ألمه لم يذهب هدرا
وأن صمته الطويل
وصل.
شعرت لوسيا بأن شيئا ثقيلا انزاح عن صدرها.
كأن هذه الابتسامة وحدها
أغلقت دائرة ظلت مفتوحة منذ طفولتها.
مرت الأيام بعد ذلك مختلفة.
لم تتغير الجدران.
لم يتغير ترتيب البيت.
لم تتغير الغرف ولا الأثاث.
لكن القلوب
لم تعد هي ذاتها.
كان الصمت في المنزل أقل قسۏة.
وكان الوقت أبطأ
وأكثر رحمة.
كانت لوسيا تجلس بجانبه كل صباح
قبل أن يبدأ النهار فعليا.
تفتح النافذة
تدع الضوء يدخل بهدوء
وكأنها تفتح نافذة داخل نفسها أيضا
نافذة على سلام لم تعرفه من قبل.
كانت تبعد الستارة قليلا
تتأكد أن الشمس لا ټؤذي عينيه
ثم تعود لتجلس قربه
قريبة بما يكفي ليشعر بوجودها
وبعيدة بما يكفي لتحترم ضعفه.
تقرأ له الصحيفة بصوت هادئ
تتوقف عند بعض الأخبار
تشرح
تبتسم
تعلق.
تحكي له عن يومها
عن أشياء صغيرة لم تكن تراها من قبل
عن امرأة صادفتها في الطريق
عن طفل ضحك بلا سبب
عن قهوة شربتها على عجل ثم ندمت لأنها لم تستمتع بها.
كانت الكلمات بسيطة
لكنها كانت حقيقية.
كانت تمسك بيده.
تغسلها.
تنظفه.
تعتني به.
لا كواجب.
ولا كخدمة.
ولا كدين مؤجل.
بل كامتداد طبيعي
لقصة بدأت پالنار
واستمرت بالصمت
وانتهت بالسلام.
كان دون رافائيل يصغي بطريقته.
بعينيه.
بأنفاسه.
بالهدوء الذي صار يسكن ملامحه.
وعندما عاد دانيال إلى المنزل بعد أيام
وقف طويلا عند باب الغرفة.
لم يتكلم.
لم يحتج إلى ذلك.
كان المشهد كافيا ليشرح له كل شيء.
رأى لوسيا جالسة بجانب والده
تمسك بيده
تقرأ له بهدوء
وتبتسم.
لم تكن ابتسامة مجاملة.
كانت ابتسامة شخص وجد مكانه أخيرا.
كان دون رافائيل نظيفا
مرتبا
تفوح منه رائحة طيبة.
وعيناه
كانتا أكثر سلاما من أي وقت مضى.
في تلك اللحظة
فهم دانيال شيئا واحدا فقط
شيئا لم يتعلمه من قبل
أن الحقيقة
حين تقال بصدق
وحين تخفى بدافع الحب لا الخۏف
لا تدمر العائلات
بل تعيد بناءها
على أساس أعمق
وأصدق
وأكثر إنسانية.
وبقيت لوسيا تعتني بدون رافائيل حتى آخر أيامه
لا كواجب ثقيل
ولا كدين يجب سداده
ولا كذكرى حريق قديم يرفض أن ينطفئ
بل كتحية وفاء خالصة
لبطل احترق ذات يوم
ليمنح طفلة حياة كاملة
ثم علمها بصمته
وبصبره
وبحبه الذي لم يطلب مقابلا 
كيف يحب الإنسان
دون مقابل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى