شوفت مراتي وهي بترضع ابني الكبير

قال بهدوء: الأخت دي جاية تنتقم، كانت عارفة كل حاجة، وبتستغل ابنك، علشان كده كانت رافضة ترضع الرضيع، لأنها معندهاش لبن.

كمّلت وأنا سامع قلبي: المكعبات اللي بتديهاله كانت تجهيز، ورضاعته جزء من اللي بتعمله، وبعد أربعة عشر يوم، أنت وابنك تكونوا انتهيتوا.

وقعت على ركبي، صرخت: بالله عليك يا شيخ، أعمل إيه؟ أنا هضيع.

قام الشيخ، جاب زجاجة مية، وقال: خدها، ولما ترجع البيت، حط فيها ملح من عندك، وخلي ابنك يشربها، هيفوق، وهي هتتلخبط وتعترف.

مسكت الزجاجة ومشيت جري على البيت، وأنا فاكر إن الأمل رجعلي من جديد.

لكن اللي ماكنتش أعرفه، إن شيخ صغير كان سامع كل الكلام، وكان متفق سرًا مع أخت مراتي التوأم.

أول ما مشيت، كلمه في التليفون وقال: هشام عرف كل حاجة، راجع بالميه، لازم تتحركي بسرعة.

على الطرف التاني، ضحكت الأخت وقالت: ما تقلقش، أنا عارفة أعمل إيه.

لما رجعت البيت، حاولت أتصرف طبيعي، ابتسمتلي وقالت بنعومة: عامل إيه؟

قلت: تمام، رايح المدرسة أدي آدم حاجة، وحطيت الزجاجة على الترابيزة ودخلت أجيب الملح.

أول ما خرجت، دخلت الأوضة بهدوء، فتحت الزجاجة، وحطت فيها سم فئران، وهمست: نشوف هيكمل النهار ولا لأ.

قفلت الزجاجة بابتسامة سودا، وأنا رجعت، حطيت الملح، ومشيت على المدرسة… من غير ما أعرف اللي حصل.

ليه الأخت بتعمل كده؟

وهل آدم هينجو ولا النهاية قربت؟

وقف هشام جنب الطريق، ماسك زجاجة مية صغيرة، إيده بترتعش جامد، الزجاجة دي كانت الأمل الوحيد اللي فاضل ينقذ ابنه اللي عنده خمستاشر سنة من مـ,ـوت بطيء كان بيحصل كل نص الليل.

كان حاسس إن الزجاجة دي فيها روحه، فيها نفس ابنه، فيها آخر فرصة قبل ما كل حاجة تضيع، وصدره كان مقفول كأن حد حاطط حجر تقيل عليه.

وهو بيجري ناحية عربيته بسرعة، خبط فيه واحد فجأة من غير ما ياخد باله، جسمه اتلخبط، والزجاجة فلتت من إيده في ثانية.

وقعت على الأرض، خبطت، ودحرجت قدامه، ودخلت في بالوعة المية قبل ما يلحق يعمل أي حاجة.

صرخ هشام صرخة مكتومة، والعربيات حواليه كانت بتزمّر، والناس بتعدّي، ولا حد حاسس إن حياة طفل بتغرق قدام عينه.

شاف المية الوسخة وهي بتبلع الزجاجة واحدة واحدة، وحس كأنها بتبلع ابنه معاها.

همس بصوت مكسور: دي حياة ابني…

رجليه كانت بتتهز، وظهره اتقوس، وحس إن الدنيا بتلف بيه.

طلع تليفونه بإيد بتترعش وكلم شيخ العيلة، صوته كان مبحوح وهو بيعيط: بالله عليك، الزجاجة وقعت وضاعت، كل حاجة راحت، ابني هيمـ,ـوت.

سكت الشيخ شوية، السكون كان تقيل، وبعدين قال بصوت هادي لكنه حاسم: ارجعلي فورًا، ربنا مش هيكسرك، ولسه في فرصة، بس لازم تلحق.

هشام قفل المكالمة، جري على العربية، وساق كأنه مجنون، مش شايف الطريق، ولا سامع كلاكسات، ولا حاسس غير بنبض قلبه.

وصل عند الشيخ، قعد يدعي معاه، الشيخ صلى ودعاله، واداله زجاجة مية تانية، وقاله بجدية: اجري، الوقت بيخلص، وكل ثانية فارقة.

مسك الزجاجة وكأنها كنز، وطلع جري، ركب العربية، واتجه على طول ناحية مدرسة آدم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى