بين الخوف والنجاة اسما السيد

لم أكن أعرف أنها ستصبح زوجتي. ولا كنت أعرف أن وراء هذه الرقة عالمًا كاملًا تحاول إخفاءه. بعد زواجنا، بدأت ألاحظ أمورًا صغيرة… صمت أطول مما يجب، نظرة سريعة نحو الباب قبل أن تغلقه، الطريقة التي تنتفض بها حين ألمس كتفها بلا قصد، كأن جلدها اعتاد على حماية نفسه. كنت أقول لنفسي إنها تحتاج وقتًا. خمس سنوات من العزلة قبل لقائنا، ماضٍ لم تتحدث عنه كثيرًا، عائلة تعيش خارج البلاد. تخيّلت أنها فقط خجولة، أو حذِرة. لكن لم يخطر ببالي يومًا أن يكون هناك سبب يدفعها للاستحمام مرتين كل ليلة، بنفس الهدوء… بنفس الطقوس.

في إحدى الليالي، تأخرتُ بالعمل حتى العاشرة. عندما عدت إلى المنزل، وجدتها جالسة أمام التلفاز المطفأ، تحدّق في العتمة كأنها ترى شيئًا لا أراه. سألتها إن كانت بخير، هزّت رأسها وقالت: «نعم… فقط متعبة». لكن صوتها لم يكن متعبًا… بل خائفًا. تلك الليلة، عندما أخذت حمّامها الثاني، وقفتُ أمام باب غرفة النوم، أستمع لصوت الماء المتساقط. كان منتظمًا… كأنها تغسل عن نفسها شيئًا لا يُرى. شيئًا لا يذهب بسهولة. وعندما خرجت، كانت عيناها متورمتين قليلًا رغم محاولتها إخفاء ذلك بابتسامة.

مرت أسابيع وأنا أراقب بصمت، وكلما اقتربتُ منها، ابتعدت. كلما لمست يدها، سحبتها بلطف وابتسمت كاعتذار. وكنت أُقنع نفسي بالصبر… لكن الصبر حين لا تعرف على ماذا تصبر، يتحول إلى وجع. في إحدى الليالي، وبينما كنت نصف نائم، شعرت بها تغادر السرير. رأيتها تتحرك في الظلام بخفة، كأنها تعرف الطريق دون ضوء. دخلت الحمّام وأغلقت الباب بصوت يكاد لا يُسمع. هذه المرة… لم أستطع منع فضولي. نهضتُ، واقتربت من الباب ووضعـت أذني عليه. صوت الماء كان مسموعًا كالعادة… لكن صوتها كان يعلو عليه. كانت تبكي. تبكي بكاءً مكتومًا… بكاء شخص يحاول ألّا يسمعه أحد. بكاء يقطع القلب.

في الصباح التالي، سألتها بطريقة لطيفة: «إنتِ بخير يا لي لي؟ شكلك مرهقة؟» نظرت إليّ قليلًا، ثم قالت: «بخير… لا تقلق». لكن ملامحها كانت تخفي كتابًا كاملًا خلف ظهرها. قررت أن أفهم بطريقتها. في ليلة أخرى، بعدما دخلت الحمّام، أمسكتُ هاتفها. لم يكن فيه شيء… إلا تطبيق مقفل بكلمة سر. ترددت، ثم أعدت الهاتف مكانه. شعرت بذنب شديد. كنت أحبها، وأخاف عليها… لا منها.

حكايات توته وستوته للكاتبه اسما السيد

لكن تلك الليلة تغيّر كل شيء. عندما خرجت من الحمّام، لم تلاحظ أنني مستيقظ. كانت ترتجف قليلًا، وضعت منشفتها وجلست، تنظر إلى يديها وتلمس جلدهما كأنها تبحث عن شيء. ثم فتحت درج الكومود، وأخرجت زجاجة صغيرة بلا ملصق. شمّتها قليلًا… ثم خبّأتها مجددًا.

في الصباح، فتحت الدرج. الزجاجة كانت فارغة. هنا بدأت الشكوك تنهش عقلي. هل هناك شخص آخر؟ هل هي مريضة؟ لكن بكاءها… رعشتها… خوفها… لم يشبه امرأة تخون. بل يشبه امرأة تهرب من شبح.

بعد أسبوع، وبينما كانت في عملها، قررت أن أبحث. في دولابها، في أدراجها… حتى وجدت صندوقًا صغيرًا أسفل الملابس الشتوية. فتحته. كان مليئًا برسائل… كلها بخط رجل. وبينها… عقد زواج قديم ممزق. زوجتي لي لي… كانت متزوجة. ولم تخبرني. لكن الرسالة الأخيرة كانت الأكثر رعبًا: «لن تكوني لأحد غيري. حتى لو هربتِ، سأجدك. علامتك لن تختفي… مهما غسلتِ.»

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى