رحلة صيد

ضحكت في داخلي ضحكة باردة.
الآن فقط فهمت…
كم كانت تلك الجملة صادقة بطريقة مختلفة.
سمعت صوت خطوات خلفي.
استدرت قليلاً.
كان كريم يقف قرب النـ,ـار المطفأة، ينظر إلى الأرض كأنه لا يريد أن يرفع عينيه.
قال بصوت منخفض:
— إحنا… كنا هنقولك…
لم أكمل سماعه.
لأن أحمد نهض واقترب خطوة.
— سلمى… الموضوع مش زي ما إنتي فاكرة.
نظرت إليه ببطء.
— أيوه؟
صوتي كان هادئًا بشكل غريب.
هادئ لدرجة أنني أنا نفسي لم أتعرف عليه.
— طيب هو زي إيه؟
فتح فمه…
ثم أغلقه.
نظر إلى ندى.
ندى كانت تبكي الآن بصمت.
دموعها تنزل فوق خدّيها وهي تشد الملاءة حولها.
قالت بصوت مرتجف:
— سلمى… والله…
لكنني رفعت يدي.
— متتكلميش.
نظرت إليها طويلًا.
ثم قلت بهدوء:
— بس سؤال واحد.
سكتت.
— من إمتى؟
أحمد تنحنح.
— الموضوع… جديد.
ضحك كريم خلفي بسخرية خافتة.
لم ألتفت إليه.
لكنني قلت:
— جديد يعني من أسبوع؟
ولا من شهر؟
ولا من السنة اللي فاتت؟
لم يرد أحد.
وهنا فقط…
فهمت الإجابة.
نظرت إلى ندى.
— من إمتى يا ندى؟
أغلقت عينيها.
وقالت بالكاد:
— ست شهور.
شعرت بشيء ينكسر داخل صدري.
ستة أشهر.
ستة أشهر وهي تعيش في بيتي.
ستة أشهر وهي تجلس معي على مائدة العشاء.
ستة أشهر وهي تقول لي كل ليلة:
— تصبحى على خير يا سلمى.

ستة أشهر.
وأنا لم ألاحظ شيئًا.
لم أقل شيئًا.
لم أصرخ.
فقط نظرت إلى أحمد.
قلت:
— أنا همشي.
اقترب خطوة.
— سلمى استني… خلينا نتكلم.
رفعت يدي مرة أخرى.
— مفيش كلام.
ثم استدرت.
ومشيت.
خطوة…
ثم خطوة أخرى.
الأرض كانت مليئة بأوراق الشجر المبللة.
صوت خطواتي كان واضحًا في ذلك الصمت.
سمعت أحمد يناديني:
— سلمى!
لكنني لم ألتفت.
وصلت إلى سيارتي.
فتحت الباب.
جلست خلف المقود.
ويدي كانت ترتعش.
حاولت تشغيل السيارة… لكن المفتاح سقط مني مرتين قبل أن يثبت في مكانه.
أدرت المحرك.
لكنني لم أنطلق فورًا.
جلست هناك للحظات.
أنظر إلى الغابة أمامي.
الأشجار كانت طويلة… صامتة… لا تهتم بما حدث.
كما لو أن العالم كله… لا يهتم.
وفجأة…
سمعت طرقًا على نافذة السيارة.
التفت.
كان كريم.
فتح يده قليلاً كأنه يطلب مني أن أنزل الزجاج.
فعلت.
قال بهدوء:
— أنا آسف.
لم أتكلم.
تنهد.
— بس لازم تعرفي حاجة.
نظرت إليه.
— إيه؟
قال بعد تردد:
— الموضوع مش ست شهور.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
— يعني إيه؟
خفض صوته.
— بقاله أكتر من سنة.
نظرت إليه في صمت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى