رحلة صيد

جلست.
لأول مرة منذ الصباح…
بدأت أبكي.
لكنني لم أكن أعرف وقتها…
أن تلك الخـ,ـيانة…
لم تكن أسوأ ما سيحدث.
لأن الحقيقة الأكبر…
كانت ما تزال في الطريق.
مرّت تلك الليلة ببطءٍ شديد… ببطءٍ جعل كل دقيقة تبدو كأنها ساعة كاملة.
جلستُ في الصالة بعد أن خرجت ندى من البيت، ولم أغيّر مكاني تقريبًا.
الساعة على الحائط كانت تصدر صوتًا منتظمًا:
تك… تك… تك…
صوت بسيط… لكنه في تلك الليلة كان أشبه بمطرقة صغيرة تضـ,ـرب رأسي كل ثانية.
لم أشغّل التلفاز.
لم أفتح الهاتف.
لم أفعل شيئًا.
فقط جلست.
أنظر إلى الجدار المقابل، حيث تتعلق صورة زفافنا.
أنا وأحمد.
كنت أبتسم في الصورة ابتسامة واسعة، بينما كان أحمد يقف بجانبي واضعًا يده حول كتفي.
تذكرت ذلك اليوم.
كان حارًا…
وكانت القاعة مليئة بالناس والضحكات والموسيقى.
أمي كانت تبكي من الفرح.
وأحمد كان يهمس في أذني:
— وعد… عمري ما هكسّر قلبك.
غمضت عيني للحظة.
كم يبدو الماضي أحيانًا… كأنه كذبة جميلة.
بعد منتصف الليل بقليل…
سمعت صوت مفتاح الباب.
عرفت فورًا أنه أحمد.
لم أتحرك.
دخل ببطء.
خطواته كانت حذرة… كأنه يدخل بيتًا غريبًا.
وقف عند باب الصالة.
كنت أراه من زاوية عيني.
كان متوترًا.
مرّر يده في شعره أكثر من مرة، ثم قال بصوت منخفض:
— سلمى…
لم أرد.
تقدم خطوة.
— ممكن نتكلم؟
نظرت إليه أخيرًا.
كان يبدو مرهقًا… ووجهه شاحب.
لكني لم أشعر بأي شفقة.
قلت ببرود:
— اتكلم.
تنهد.
— اللي حصل… غلط.
سكت لحظة.
— وأنا عارف إني غلطت.
نظرت إليه بصمت.
أكمل:
— بس الموضوع ماكانش المفروض يوصل لكده.
رفعت حاجبي.
— يوصل لإيه؟
ارتبك قليلًا.
— أقصد… إنك تعرفي بالطريقة دي.
ضحكت بسخرية.
— آه… يعني المشكلة مش في اللي حصل.
— المشكلة إن أنا شوفته.
لم يجب.
قلت:
— تحب أقولك حاجة؟
سكت.
— أنا مبسوطة إنك ما كنتش لابس هدوم الصيد.
نظر إليّ باستغراب.
— ليه؟
قلت ببرود:
— علشان الصورة تبقى واضحة.
سكت.
ثم قال فجأة:
— أنا هسيب ندى.
لم أشعر بأي شيء.
لا راحة… ولا انتصار.
قلت:
— ده قرارك.
اقترب خطوة.
— أنا عايز أصلّح اللي بينا.
رفعت رأسي.
— أصلّح إيه؟
— جوازنا.
ضحكت.
— أحمد… الجواز اللي بينا مات النهارده.
هز رأسه بسرعة.
— لا… لسه في فرصة.
قلت بهدوء:
— بعد تسع سنين… وبعد ما خنتني مع أختي؟
لم يجد ردًا.
صمت طويل مرّ بيننا.
ثم قال فجأة:
— في حاجة لازم تعرفيها.
نظرت إليه.
كان مترددًا.
— إيه؟
بلع ريقه.
— ندى… حامل.








