رحلة صيد

أحمد الذي ظل صامتًا، كأنه طفل ينتظر الحكم. قال والده بهدوء: أحمد ما قالكش الحقيقة وقتها لأنه كان شايف نفسه صاحب البيت، لكن قانونيًا… البيت ده بيتك إنتي. ساد صمت طويل في الغرفة. كنت أحاول أن أستوعب ما قاله. طوال الليل كنت أعتقد أنني سأخرج من هذا البيت بلا شيء، لكن فجأة تغير كل شيء. نظر إليّ الحاج عبد العزيز بعينين جادتين وقال: أنا مش هتدخل في قرارك بالطلاق… ده حقك. لكن في حاجة تانية. رفعت عيني نحوه. قال ببطء: أحمد مش هيفضل هنا. التفت أحمد نحوه بسرعة: بابا… قاطعه والده بنظرة حادة. وقال: إنت هتمشي من البيت النهارده. ده أقل حاجة ممكن تعملها بعد اللي حصل. فتح أحمد فمه وكأنه يريد الاعتراض، لكنه لم يقل شيئًا في النهاية. خفض رأسه مرة أخرى. شعرت بشيء غريب في داخلي، ليس انتصارًا… بل نوعًا من الحزن الثقيل. تسع سنوات من حياتي انتهت بهذه الطريقة الباردة. وقف الحاج عبد العزيز ببطء وقال: أنا هسيبه يجمع حاجته. ثم التفت إليّ وأضاف: لو احتجتي أي مساعدة قانونية أو مالية… أنا موجود. لم أعرف ماذا أقول، فاكتفيت بهز رأسي. خرج الرجل من البيت تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا. بقي أحمد واقفًا في منتصف الصالة، ينظر حوله كأنه يرى المكان لأول مرة. قال أخيرًا بصوت خافت: أنا ماكنتش عايز الأمور توصل لكده. نظرت إليه طويلاً ثم قلت بهدوء: بس وصلت. لم يرد. مر بجانبي متجهًا نحو الغرفة ليجمع أغراضه. سمعت صوت الأدراج تُفتح وتُغلق، وصوت الحقائب تُسحب على الأرض. بعد نصف ساعة تقريبًا خرج وهو يحمل حقيبة سوداء كبيرة. وقف للحظة عند الباب. قال دون أن ينظر إليّ: أنا آسف يا سلمى. لم أجب. فتح الباب وخرج. عندما أغلق الباب خلفه، شعرت بأن البيت أصبح أكبر فجأة… وأكثر هدوءًا. جلست على الأريكة ببطء. نظرت حولي إلى الجدران والصور والأثاث الذي كنت أعتقد أنه سيضيع مني. لكنني أدركت الآن أنني بقيت هنا… وحدي. لأول مرة منذ يومين، أخذت نفسًا عميقًا. كان مؤلمًا… لكنه كان أيضًا بداية شيء جديد. ولم أكن أعلم أن الأيام القادمة ستجلب مفاجأة أخرى لم أتوقعها… لأن بعد أسبوع واحد فقط، سيعود شخص لم أره منذ سنوات طويلة… ومعه سر سيكشف الحقيقة الكاملة لما حدث بين أحمد وندى منذ البداية.
مرّ أسبوع كامل بعد رحيل أحمد، وكان البيت ما يزال يحمل صدى كل ما حدث. في البداية ظننت أن الهدوء سيمنحني راحة، لكنه كان أحيانًا ثقيلاً كأنه يذكّرني بكل زاوية عشت فيها سنوات من حياتي. حاولت أن أشغل نفسي بأي شيء؛ ترتيب الغرف، تغيير أماكن الأثاث، وحتى إزالة بعض الصور من الجدران. صورة زفافنا وضعتها في صندوق قديم داخل المخزن دون أن أنظر إليها طويلًا.
في صباح يوم السبت، بينما كنت أرتب المطبخ، سمعت طرقًا خفيفًا على الباب. لم أكن أنتظر أحدًا. عندما فتحت، وقفت للحظة أحدق في الرجل الواقف أمامي.
كان سامي.
ابن خالتي.
لم أره منذ خمس سنوات على الأقل.
كان أكبر مني بعامين، وكنا قريبين جدًا في طفولتنا قبل أن يسافر للعمل في الخارج. كان يحمل حقيبة صغيرة ويبتسم ابتسامة خفيفة مترددة.
قال:
— السلام عليكم يا سلمى.
رددت التحية ببطء وأنا ما زلت متفاجئة.
— سامي؟ إنت هنا؟
ابتسم وقال:
— رجعت من السفر من أسبوع… وسمعت اللي حصل.
لم أسأله كيف عرف. في بلد مثل بلدنا الأخبار لا تحتاج وقتًا طويلًا لتنتشر.
دخل وجلس في الصالة، ونظر حوله قليلًا قبل أن يقول:
— البيت هادي قوي.
قلت بهدوء:
— بقى أهدى من اللازم.
ساد بيننا صمت قصير، ثم قال فجأة:
— أنا جاي علشان أقولك حاجة مهمة.
رفعت عيني نحوه.
— إيه؟
تنهد سامي ببطء وكأنه يفكر في الكلمات المناسبة.
— الموضوع اللي بين أحمد وندى… ما بدأش صدفة.
شعرت بتوتر خفيف في صدري.
— تقصد إيه؟
قال وهو ينظر إلى الأرض:
— أحمد كان بيخطط للطلاق من فترة.
حدقت فيه بعدم تصديق.
— ليه؟
رفع رأسه وقال:
— علشان الفلوس.
لم أفهم.
— فلوس إيه؟
أجاب:
— بيتك.
شعرت ببرودة في أطرافي.
— إزاي يعني؟
قال سامي بهدوء:
— لما عم عبد العزيز كتب البيت باسمك… أحمد عرف بعدها بسنة. وقتها بدأ يفكر إنه لو طلقك ممكن يقنعك تبيعي البيت وتقسموا الفلوس.
سكت لحظة ثم أكمل:
— بس بعد كده الأمور خرجت من إيده… لما قرب من ندى.
جلست صامتة.
كان الكلام يربط أشياء كثيرة لم أفهمها من قبل.
قال سامي:
— أنا اشتغلت فترة مع أحمد في الشركة قبل ما أسافر. وكنت شايف إنه بيتغير… بس ما كنتش أعرف التفاصيل كلها.
ثم نظر إليّ وقال بصدق:
— بس لما سمعت اللي حصل… حسيت إن لازم أقولك الحقيقة.
لم أشعر بالغضب كما توقعت. فقط شعرت بأن الصورة أصبحت كاملة أخيرًا.
تنهدت وقلت:
— يعني كل حاجة كانت لعبة؟
هز رأسه.
— مش كلها… بس جزء كبير منها كان أنانية.
مرّت لحظة صمت طويلة.
ثم سألته:
— وندى؟
قال بهدوء:
— أظن إنها صدقت كلامه… أو يمكن كانت محتاجة حد يقف جنبها بعد طلاقها.
لم أعلق.
بعد قليل نهض سامي وقال:
— أنا بس كنت عايز أتأكد إنك بخير.
ابتسمت ابتسامة خفيفة لأول مرة منذ أيام.
— أنا هبقى بخير.
وقبل أن يغادر توقف عند الباب وقال:
— بالمناسبة… عم عبد العزيز طلب مني أساعدك لو احتجتي أي حاجة في موضوع البيت أو الأوراق.
أومأت برأسي شاكرة.
خرج سامي، وبقيت واقفة للحظة في المدخل.
كان الهواء دافئًا قليلًا، وأشعة الشمس تدخل من النوافذ لأول مرة منذ أيام.
أغلقت الباب وعدت إلى الصالة.
جلست على الأريكة ونظرت حولي.
هذا البيت الذي كان يومًا رمزًا لحياة مشتركة… أصبح الآن بداية حياة جديدة.
لم يعد هناك أحمد.
ولا ندى.
ولا تلك الخيمة في الغابة.
فقط أنا.
وأمام هذا الهدوء… أدركت شيئًا مهمًا.
بعض النهايات ليست خسارة.
بعض النهايات… هي الطريقة الوحيدة التي يبدأ بها الإنسان من جديد.
وبعد أشهر قليلة، عندما بدأت أفتح باب البيت للضيوف مرة أخرى، لم أكن أرى نفسي امرأة خُذلت.
بل امرأة نجت.
وذلك… كان كافيًا. تمت








