رحلة صيد

شعرت وكأن الأرض تحركت تحت قدمي.
لم أتكلم.
لم أتحرك.
فقط نظرت إليه.
— حامل؟
قال بصوت خافت:
— أيوه.
سألته:
— من إمتى؟
— شهرين.
ضحكة خرجت مني… لكنها لم تكن ضحكة حقيقية.
— يعني كنتوا مشغولين قوي.
خفض رأسه.
— الموضوع حصل… ومكناش مخططين له.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت:
— كويس.
رفع رأسه.
— كويس؟
قلت ببرود شديد:
— على الأقل كده الأمور بقت واضحة.
وقف صامتًا.
قلت:
— بكرة الصبح… هروح للمحامي.
اتسعت عيناه.
— طلاق؟
— طلاق.
اقترب خطوة.
— سلمى… استني.
— مفيش حاجة أستنى علشانها.
صمت.
ثم قال بصوت منخفض:
— البيت؟
قلت:
— البيت هيتباع… ونتقسم فلوسه.
هز رأسه ببطء.
— أنا مش عايز البيت.
ضحكت.
— طبعًا.
ثم قلت:
— عايزه تعيش فيه مع ندى؟
لم يرد.
قمت من مكاني.
مررت بجانبه.
لكنه أمسك يدي فجأة.
— سلمى… والله أنا…
نزعت يدي بسرعة.
— متلمسنيش.
صمت.
قلت وأنا متجهة نحو الغرفة:
— نام في الصالة.
ثم أغلقت الباب خلفي.
تلك الليلة…
لم أنم.
كنت أحدق في السقف.
وأفكر في سؤال واحد فقط:
كيف يمكن لشخصين كانا عالمي…
أن يتحولا فجأة إلى غرباء؟
مع شروق الشمس…
نهضت.
ارتديت ملابسي.
وخرجت من الغرفة.
كان أحمد نائمًا على الأريكة.
لكنني لم أتوقف.
أخذت حقيبتي.
وخرجت من البيت.
ذهبت مباشرة إلى مكتب محامٍ في وسط المدينة.
كان رجلاً في الخمسينات.
استمع إلى قصتي بصمت.
ثم قال:
— الطلاق في الحالة دي… بسيط.
وقّعت الأوراق.
خرجت من المكتب.
وشعرت لأول مرة منذ أمس…
أن الهواء أخف قليلًا.
لكن عندما عدت إلى البيت بعد الظهر…
وجدت شيئًا لم أكن أتوقعه.
سيارة سوداء فاخرة كانت متوقفة أمام الباب.
وسيارة ندى كانت خلفها.
تجمدت في مكاني.
نزل رجل من السيارة السوداء.
رجل كبير في السن… أنيق… ببدلة رسمية.
تعرفت عليه فورًا.
كان والد أحمد.
نظر إليّ للحظة طويلة.
ثم قال بهدوء:
— لازم نتكلم يا سلمى.
لكنني لم أكن أعرف بعد…
أن ما سيقوله…
سيغيّر كل شيء مرة أخرى. كان الهواء في الحي ساكنًا بشكل غريب عندما أوقفت سيارتي أمام البيت. وقفت للحظة أحدق في الرجل الذي خرج من السيارة السوداء. كان والد أحمد، الحاج عبد العزيز، رجلًا لم أره كثيرًا في حياتي رغم تسع سنوات من زواجي بابنه. كان دائم السفر بين القاهرة ودبي بسبب أعماله، ودائمًا ما بدا لي رجلًا هادئًا لكنه حاد النظرات. عندما اقتربت مني، شعرت أن في عينيه شيئًا ثقيلًا، كأنه يعرف أكثر مما ينبغي. فتح لي باب الحديقة ببطء وقال بصوت منخفض: تعالي نجلس قليلًا يا سلمى. دخلنا الصالة، وكان أحمد يقف هناك وكأنه ينتظر محاكمة. لم يقل شيئًا، فقط نظر إلى الأرض. جلس والده على الأريكة ووضع عصاه بجانبه، ثم أشار لي أن أجلس مقابله. بقي الصمت بيننا لحظات طويلة حتى شعرت أنني سأختنق. أخيرًا قال: أنا عرفت كل حاجة. نظرت إليه بلا تعبير، لم أعد أملك طاقة للغضب أو الصدمة. أكمل بصوت هادئ لكنه صارم: اللي عمله أحمد غلط كبير… وأنا مش جاي أدافع عنه. التفت أحمد نحوه بدهشة خفيفة، لكن والده رفع يده ليمنعه من الكلام. ثم عاد ينظر إليّ وقال: لكن في حاجة تانية لازم تعرفيها قبل ما تاخدي أي قرار نهائي. شعرت بانقباض في صدري. سألته بهدوء: أي حاجة؟ تنهد ببطء وكأنه يجمع شجاعته. قال: البيت ده… مش ملك أحمد. عقد الحاجبين دون فهم. أكمل: البيت مكتوب باسمك من ثلاث سنين. شعرت بالارتباك. قلت: إزاي؟ أنا ما وقعتش على حاجة. نظر إلى أحمد ثم عاد إليّ. قال: لما اشترينا البيت، أحمد كان عنده مشاكل مالية في شغله وأنا ساعدته. لكني اشترطت إن البيت يتكتب باسمك علشان لو حصل أي حاجة… تفضلي في أمان. شعرت كأن الأرض تميل قليلًا تحت قدمي. لم أتوقع هذا أبدًا. نظرت إلى

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى