بعد ما رموني في دار للعجزة اكتشفوا أنني كنت أمسك سرّ رزقهم كله

فأقول له:
“يا ولدي، هذه الطاحونة أكلتكم من حلال، لا تقول عنها هكذا.”

فيبتسم ابتسامة قصيرة ويغير الموضوع.
ثم بعد شهور، جاءني بفكرة جديدة:

“نحوّل الشغل إلى شركة حديثة.
نفتح محلات فاخرة.
نبيع دقيقًا وتوابل ومكسرات معبأة بأكياس أنيقة.
لازم نكبر.”

فرحت.
ظننت أنه أخيرًا يريد أن يطور تعب أبيه، فبعت بعض ذهبي القديم لأساعده.
ثم طلب مني أوراق الأرض المجاورة للمطحنة بحجة أنه يحتاجها ضمانًا عند البنك.
أعطيته الأوراق وأنا مطمئنة، لأنني كنت أراه ابني قبل أن أراه رجل أعمال.

بعد سنة واحدة فقط، تغيّر كل شيء.

صار لأولادي ثلاث سيارات.
وصار لكل واحد منهم هاتفان.
وصارت زوجات أبنائي يدخلن البيت وكأنني خادمة قديمة نجت من النسيان.

زوجة منير، سناء، كانت أكثرهن كلامًا وأقلّهن احترامًا.
كلما دخلت المطبخ تنظف بعيونها لا بيديها، وكأنني أنا التراب.

وذات صباح، بينما كنت أعدّ القهوة، سمعتها تقول لزوجها وهي تظنني لا أسمع:

“إلى متى ستبقى أمك معنا؟
البيت صار ضيقًا، والناس تسأل: لماذا تعيش والدتك هنا وأنتم عندكم مال؟
منظرها متعب… وكلامها القديم يكسّر هيبة المكان.”

توقفت يدي فوق النار.
أحسست أن الملعقة الثقيلة صارت أثقل من عمري كله.

لم يقل منير: “اسكتي، هذه أمي.”
لم يغضب.
لم يدافع.
كل ما قاله بصوت بارد:

“سنجد حلًا قريبًا.”

ذلك اليوم لم أنم.

كنت أقول لنفسي:
لا، هذا مجرد ضغط، مجرد تعب، مجرد كلمة عابرة.
ابني لا يمكن أن يقصد.
الذي حملته تسعة أشهر لا يمكن أن يرميني.

لكنه فعل.

بعد أسبوعين، اجتمعوا جميعًا في الصالون.
منير في الوسط، هشام يتجنب النظر إليّ، ريم تعبث بهاتفها، وزوجة منير تجلس بثقة غريبة، كأن البيت بيت أبيها.

قال منير:
“يا أمي، نحن فكرنا كثيرًا، ووصلنا إلى قرار.”

قلت وأنا أشعر أن قلبي يعرف الجواب قبلي:
“أي قرار يا ولدي؟”

قال:
“أنت تحتاجين إلى رعاية وراحة، ونحن طوال النهار خارج البيت.
وجدنا دارًا ممتازة للمسنين.
نظيفة، وفيها أطباء وممرضات، وسترتاحين هناك أكثر.”

نظرت إليه طويلًا.
كنت أريد أن يضحك ويقول إنها مزحة ثقيلة.
كنت أنتظر من هشام أن يصرخ: “لا.”
أو من ريم أن تبكي وتتمسك بي.

لكن لا شيء حدث.

قلت بصوت خافت:
“دار عجزة؟
أنا؟
وأنا عندي أولاد أحياء؟”

قالت سناء بسرعة:
“لا تقولي دار عجزة وكأننا نرميك في الشارع. هذه دار محترمة جدًا.”

رفعت عيني إليها، ثم إلى ابني، وقلت:
“وهل الأم تصير زائدة عن الحاجة إلى هذا الحد؟”

تنحنح منير وقال:
“يا أمي، لا تعقّدي الأمور.
نحن نريد راحتك.”

ضحكت.
ضحكت لأول مرة ضحكة لا تشبهني.

قلت:
“راحتي؟
تذكرتُم راحتي الآن؟
وأنا التي كنت أنام على الأرض لتناموا على الفرشة؟
وأنا التي كنت آكل الخبز اليابس لأشتري لكم الكتب؟
وأنا التي حملت التجارة فوق ظهري يوم مات أبوكم حتى لا تمدوا أيديكم لأحد؟
والآن تكلّمونني عن راحتي؟”

ارتبك هشام وقال:
“يا أمي، لا نريد مشاكل…”

فالتفتّ إليه:
“المشاكل بدأت يوم صرتم تنظرون إلى أمكم كعبء.”

ريم، التي كنت أظن قلبها ألينهم، رفعت رأسها أخيرًا وقالت:
“أمي، كل الناس تفعل ذلك الآن.
لا تكبري الموضوع.”

كل الناس؟

منذ متى صارت الأم موضة تُنقل من بيت إلى مؤسسة كما تُنقل الأثاث القديمة إلى المستودع؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى