بعد ما رموني في دار للعجزة اكتشفوا أنني كنت أمسك سرّ رزقهم كله

عدت إلى الدار وأنا صامتة.
وفي الليل، فتحت التلفاز الصغير في الصالة، فرأيت إعلانًا عن افتتاح فرع جديد لشركة أولادي.
ابتسم منير أمام الكاميرا بثقة، وقال إن مشروعهم “الأكبر في المنطقة”.

لكن عينيّ اللتين تعودتا قراءة ما بين السطور، رأتا شيئًا غير الثقة:
رأيت تعبًا، وخوفًا، وارتباكًا مخفيًا تحت ربطة عنق باهظة.

بعد أيام قليلة، بدأوا يتوافدون عليّ واحدًا واحدًا.

أولًا جاء هشام.

دخل غرفتي مترددًا، وجلس على طرف الكرسي، ثم قال:
“أمي… هل أنت زعلانة مني كثيرًا؟”

قلت:
“هل يهمك؟”

انخفض رأسه، وقال:
“أنا… أنا لم أكن أريد ما حدث.
لكن منير قال إن هذا لمصلحتك، وإن المكان أفضل…”

قاطعته:
“وأنت؟
أين عقلك؟
هل صرت رجلًا فقط حين تقسّم الأرباح، وطفلًا حين تتخذ قرارًا يخص أمك؟”

بكى.
ولأول مرة منذ أشهر، رأيت هشام القديم، الولد الذي كان يركض إليّ بثوبه المدرسي الممزق ليخفي وجهه في حضني.

قال:
“سامحيني يا أمي.
نحن في ورطة.”

ها قد خرجت الكلمة.

قلت بهدوء:
“أي ورطة؟”

قال:
“منير وسّع الشركة بسرعة كبيرة.
أخذ قروضًا، ووقّع عقودًا أكبر من قدرتنا.
الموردون الجدد غشّونا، والزبائن اشتكوا من تغيّر الجودة، وبعض الشحنات رُفضت.
والبنك يضغط علينا.
و… ودفاتر أبي القديمة ناقصة.
هناك شيء لا نعرفه، وكلما بحثنا أكثر نكتشف أننا كنا نعيش على أساس لم نفهمه.”

لم أقل شيئًا.

فهم هو أن صمتي لا يعني جهلي.
رفع عينيه نحوي وقال:
“أنت تعرفين، أليس كذلك؟”

قلت:
“أعرف ما يكفي لأفهم أن البركة رفعت يدها عنكم يوم رفعتموني من بيتكم.”

خرج هشام مكسورًا.

ثم جاء منير نفسه.

دخل بثيابه الأنيقة، لكن الأناقة هذه المرة لم تستطع إخفاء الإرهاق في وجهه.
كانت عيناه غائرتين، وكلامه سريعًا أكثر من اللازم.

قال دون مقدمات:
“أمي، نحن نحتاجك.”

أجبته:
“أنا في دار للعجزة، تذكر؟
أي حاجة يمكن أن تُطلب من عجوز مثلي؟”

شدّ على فكه، ثم قال:
“أخطأنا.
لكن الوقت ليس وقت عتاب.
الشركة على حافة الانهيار.
هناك أسر كاملة تعيش من هذا العمل.
إن ضاعت الشركة، سيضيع الجميع.”

قلت:
“تذكرت الجميع الآن؟
وأنا، حين كنت وحدي في هذه الغرفة، من تذكرني؟”

قال بعصبية:
“أمي، أرجوك، لا تخلطي الأمور.”

عندها نهضت واقفة، رغم ألم ركبتَيّ، ونظرت إليه نظرة جعلته يتراجع خطوة.

قلت:
“أنا لا أخلط الأمور يا منير.
أنت الذي خلطت بين النجاح والغرور، وبين التطوير وقطع الجذور، وبين الأم والعبء.
ظننت أن العلامة التجارية أغنى من الدعوة الصادقة، وأن القروض أقوى من ثقة الفلاحين، وأن الأكياس اللامعة أهم من جودة الطحين.
أبوك لم يترك لكم تجارة فقط… ترك لكم سمعة، وناسًا، وبركة.
وأنتم بعتم البركة بأول فرصة.”

جلس.
ولأول مرة في حياته، بدا صغيرًا أمامي.

قال بصوت مبحوح:
“هل ترك أبي شيئًا؟”

سكتّ قليلًا، ثم قلت:
“ترك ما يكفي لينقذكم… أو ليترككم تتعلمون.”

رفع رأسه نحوي بسرعة:
“أين هو؟”

قلت:
“هذا السؤال لم يعد سهلًا بعد اليوم.”

في تلك الليلة، فكرت كثيرًا.
هل أساعدهم؟
هل أتركهم يتذوقون ما فعلوه؟
هل أعاقبهم كما عاقبوني؟

ثم تذكرت زوجي.
وتذكرت أن قلبي، رغم الجرح، ما زال قلب أم.

لكني أيضًا تذكرت رسالته:
لا تسلّمي السر لمن لا يعرف قيمته.

في صباح الأحد، طلبت من أمينة أن تتصل بأولادي جميعًا وتخبرهم أنني أريدهم في الدار عصرًا.

جاؤوا كلهم.
حتى سناء جاءت، ووجهها شاحب بعد أن كانت تمشي في البيت كملكة.
وجلست ريم قرب الباب تبكي قبل أن أتكلم، بينما هشام يضغط يديه ببعضهما، ومنير يحاول أن يبدو متماسكًا.

نظرت إليهم طويلًا.
ثم قلت:

“قبل أن أقول أي كلمة، أريد منكم أن تسمعوا جيدًا.
أنا لست خزنة تُفتح حين تفلسون.
ولست جسرًا تعبرون عليه وقت الحاجة ثم تهدمونه.
أنا أمكم.
والأم التي تُهان لا يعود كل شيء بعدها كما كان.”

انفجرت ريم بالبكاء وقالت:
“سامحينا يا أمي… أنا كنت ضعيفة… كنت أمشي وراءهم…”

قلت لها:
“الضعف ليس عذرًا حين يُكسر قلب أم.”

ثم التفت إلى منير:
“وأنت، هل تظن أن اعتذارك يكفي؟
هل تعرف ماذا يعني أن يخرج الإنسان من بيته وفي داخله يقين أنه صار زائدًا؟”

خفض رأسه وقال:
“لا.
لكنني أعرف الآن معنى الخسارة.”

فتحت حقيبتي، وأخرجت الرسالة والدفتر والخاتم الصغير.

اتسعت أعينهم جميعًا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى