بعد ما رموني في دار للعجزة اكتشفوا أنني كنت أمسك سرّ رزقهم كله

في اليوم التالي، لم يتركوا لي حتى فرصة الرفض الحقيقي.
جاءت سيارة خاصة، ووُضعت حقيبتي الصغيرة فيها.
ثلاثة أثواب، مصحف، صورة قديمة لزوجي، ودفتر وصفات كتبت فيه عمري كله.

وأنا أغادر، نظرت إلى باب البيت الذي مسحت عتبته بيدي آلاف المرات.
لم يخرج الجيران.
لم يتكلم أحد.
كل شيء كان يجري كأنه قرار إداري لا قلب فيه.

لكن أكثر ما وجعني أن منير قال للسائق أمامي:
“انتبه لحاجياتها… بعض الأشياء القديمة غالية عليها.”

الأشياء القديمة.

هكذا أصبحت أنا وصور زوجي ومصحفي وملابسي: أشياء قديمة.

وصلت إلى الدار قبيل المغرب.
كانت نظيفة فعلًا، وفيها حديقة صغيرة، وكراسٍ بلاستيكية، ونساء ورجال بوجوه تشبه نهايات القصص الحزينة.
كل واحد منهم يبدو كأنه كان يومًا مركز حياة كاملة، ثم صار فجأة هامشًا.

استقبلتني المشرفة، اسمها أمينة.
امرأة في الخمسين، وجهها حازم لكنه دافئ.
قالت لي بلطف:
“أهلًا بك يا حاجة، ستعتادين المكان.”

أردت أن أقول لها:
لا أحد يعتاد على كسرته.
لكنني سكت.

في أول ليلة، لم أستطع النوم.
كان السرير مرتبًا أكثر من اللازم، والغرفة هادئة أكثر من اللازم، وقلبي مكسورًا أكثر من اللازم.

في السرير المقابل كانت امرأة اسمها فاطمة، أكبر مني ببضع سنوات، ترمقني بعينين فهمتا كل شيء دون شرح.
قالت قبل أن تطفئ الضوء:

“أول مرة توجع.
ثم تصير الوجعة صديقة.
ثم نتعلم كيف نبتسم لها.”

انفجرت بالبكاء.

لم أبكِ يوم مات زوجي كما بكيت تلك الليلة.
لأن الموت قضاء، أما الخذلان فطعنة بيد من ربيت.

مرت الأيام بطيئة.
كنت أشارك النساء الجلوس في الحديقة، أقرأ لهن أحيانًا، وأعلم بعض العاملات وصفات قديمة للأكل.
وبدأت ألاحظ شيئًا: كثير من الموجودين هنا لم يأتوا لأنهم عاجزون، بل لأن أبناءهم لم يعودوا يحتملون وجودهم في الصورة.

كنت أرى نفسي فيهم جميعًا.

لكنني رغم كل شيء، لم أفقد عادتي القديمة في الانتباه للتفاصيل.
كنت أراقب، وأصمت، وأربط الأحداث ببعضها كما كنت أفعل في التجارة.

وفي يوم جمعة، زارتني ريم.

دخلت بثياب أنيقة، ورائحة عطر غال، ونظارات سوداء فوق رأسها.
عانقتني عناقًا سريعًا لا حرارة فيه، ثم جلست وكأنها مستعجلة.

قالت:
“كيف حالك يا أمي؟”

قلت:
“كما ترين. أتنفس.”

ابتسمت ببرود وقالت:
“لا تقولي هكذا. المكان جميل.”

ثم صمتت قليلًا قبل أن تضيف:
“في الحقيقة، جئت لأسألك عن شيء.”

عرفت فورًا أن الزيارة ليست حنينًا.

قلت:
“تفضلي.”

قالت:
“هل ترك أبي أوراقًا قديمة عندك؟
عقودًا، أو مفاتيح، أو دفاتر؟
منير يبحث عن بعض التفاصيل الخاصة بالمورّدين القدامى.”

رفعت رأسي ببطء.

إذن… بدأوا يشعرون بالنقص.

قلت:
“ولماذا؟ أليست شركتكم الحديثة أقوى من دفاتر أبيك القديمة؟”

ارتبكت، ثم قالت:
“الموضوع فقط ترتيب ملفات.”

ضحكت في داخلي.
كان زوجي يقول دائمًا:
“حين يكذب الإنسان على أمه، ينسى أن الأم حفظت ارتجافة صوته منذ كان رضيعًا.”

قلت لها:
“لا أتذكر.”

وغادرت.

في تلك الليلة، لم أنم من جديد.
قمت من سريري، وفتحت حقيبتي الصغيرة، وأخرجت صورة زوجي.
خلف الصورة، في الغلاف الداخلي المهترئ، كان هناك مفتاح صغير من النحاس.

لم أكن قد لمسته منذ سنوات.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى