بعد ما رموني في دار للعجزة اكتشفوا أنني كنت أمسك سرّ رزقهم كله

اسمي نعيمة، عمري سبعة وستون عامًا، ولم أكن أظن يومًا أن النهاية التي خفتها طوال حياتي ستأتيني على يد أولادي أنا.

تعبت كثيرًا حتى أوصلتهم إلى ما هم عليه.
لم أولد وفي فمي ملعقة من ذهب، ولا تزوجت رجلًا غنيًا، ولا عشت مدللة كما يظن الناس حين يرون أولادي اليوم بسياراتهم ومحلاتهم وبيوتهم الواسعة.
كل ما ترونه بُني من عرقي، ومن دموعٍ كنت أمسحها في الليل حتى لا يراها أحد.

مات زوجي الحاج سالم وأنا في الأربعين من عمري.
ترك لي ثلاثة أبناء: منير، وهشام، وريم.
وكان أكبرهم يومها لم يتجاوز التاسعة عشرة، وأصغرهم كانت طفلة لا تعرف حتى كيف تربط شعرها وحدها.

أتذكر تلك الليلة كما لو أنها حدثت البارحة.
كان المطر يضرب النوافذ، وكنت أجلس قرب سرير زوجي في المستشفى حين أمسك يدي بكل ما بقي فيه من قوة، وقال بصوت متقطع:

“يا نعيمة… الأولاد أمانة في رقبتك.
والرزق موش فلوس فقط… الرزق عقل، وصبر، وسرّ إذا ضاع يضيع كل شيء.”

يومها ظننت أنه يهذي من شدة الألم.
لكن بعد موته بأيام، فهمت أن كلماته لم تكن عبثًا.

كان زوجي يملك مطحنة قديمة للحبوب في أطراف المدينة، لا تبدو من الخارج شيئًا مهمًا.
مجرد محل قديم، جدرانه متشققة، وسقف من صفيح، ورائحة قمح وذرة وسمسم تملأ المكان.
لكن تلك المطحنة كانت قلب رزقنا الحقيقي.

لم تكن مجرد مطحنة.
كانت وراءها خلطة تجارية قديمة، ووثائق توريد، واتفاقات شرفية مع فلاحين وعائلات من القرى، وأسماء ناس لا يبيعون لأحد إلا لمن يثقون به.
وكان زوجي يعرف كيف يحافظ على تلك الشبكة كما يحافظ الأب على أبنائه.

بعد موته، بدأ الجميع ينصحني أن أبيع كل شيء.
قالوا لي:
“أنت امرأة وحدك.”
“الزمن صعب.”
“من الأفضل أن تضمني مستقبل أولادك بثمن المحل والأرض.”

لكنني لم أبع.

كنت أستيقظ قبل الفجر، أعدّ الخبز، أوقظ الأولاد، أوصلهم إلى المدرسة، ثم أفتح المطحنة بنفسي.
تعلمت كيف أتعامل مع الحبوب، وكيف أوزن الطلبيات، وكيف أكتب الديون في الدفتر الأزرق الذي كان زوجي لا يفارقه.
وفي الليل، كنت أخيط للناس وأبيع المخللات في الشتاء حتى لا نحتاج لأحد.

كبر أولادي، وكبر معهم تعبي.

منير درس التجارة، وكنت فخورة به جدًا.
كان ذكيًا في الحساب، سريع الكلام، يعرف كيف يقنع الناس.
أما هشام فكان يحب الورشات والعمل بيده، وكان قويًا، لكن قلبه يتغير بسهولة حسب من يجلس معهم.
وريم كانت مدللة البيت، جميلة، ناعمة الصوت، تحفظ الكلمات التي يحب الناس سماعها.

حين بدأوا يكبرون ويحققون بعض النجاح، قلت في نفسي:
الحمد لله… انتهى العذاب.

لكن العذاب الحقيقي لم يكن قد بدأ بعد.

في البداية، صاروا يخجلون من المطحنة القديمة.
كان منير يقول لي:

“يا أمي، هذا زمن الشركات والعلامات التجارية، موش زمن الدفاتر القديمة والطاحونة الصدئة.”

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى