ليث الريس

كأنه يغسل آخر بقايا الليل
كانت المدينة نفسها تستيقظ من كابوس طويل
أما داخل الجناح فكانت نورا تشعر أنها على حافة عمر جديد لا يشبه شيئا مما عرفته
بعد أسابيع تحسنت ليلى وخرجت من العناية إلى غرفة عادية
وكُشف ملف الاغتيال كاملا في المحاكم
وسقطت أسماء كبيرة مع رامي
أما القصر فقد تغيرت فيه وجوه كثيرة
ورحلت منه وجوه أكثر
لكن اسم نورا لم يعد يقال همسا في الممرات كاسم خادمة فقيرة
بل كاسم المرأة التي سمعت جملة واحدة قرب مرآة فغيّرت بها مصير رجل وقصر وإمبراطورية كاملة
ومع ذلك لم يكن طريقها سهلا
الصحافة لاحقت
والنميمة انتشرت
والعائلة القديمة لم تغفر بسهولة
لكن ليث كان كلما اشتدت العاصفة يقف أمامها بذلك الهدوء القاسي نفسه
ويقول إن من نجا من الرصاص لا يهزه كلام الصالونات
وفي ليلة هادئة بعد أشهر
وقفت نورا في شرفة الجناح المطل على النيل
لم تعد ترتدي مئزر الخادمات
بل ثوبا بسيطا أنيقا اختاره هو ولم تعترض هذه المرة
كان النسيم خفيفا
والمدينة تلمع تحتها كأنها تفتح صفحة جديدة
جاء ليث ووقف إلى جوارها
قال
ما الذي تفكرين فيه
ابتسمت لأول مرة بلا خوف
أفكر أن كل شيء بدأ من ربطة عنق
نظر إليها ثم ضحك ضحكة قصيرة حقيقية نادرة
وقال
لا
كل شيء بدأ من امرأة قررت أن تهمس بدل أن تهرب
التفتت إليه
وسألته
ولو هربت
قال
لكنّت ميتا
أو أسوأ
حيّا وسط خيانة لم أكتشفها
ثم مال قليلا نحوها
وأنتِ
لو هربتِ
لكنْتِ وحيدة تحملين الدين والخوف والمستشفى
أما الآن
سكت عمدا
قالت
أما الآن ماذا
رفع يدها إلى شفتيه وقبّل أطراف أصابعها برفق يناقض تماما الرجل الذي سحق عنقها في أول ليلة
ثم قال
أما الآن فأنتِ في قلب الحرب وفي قلبي أيضا
ولن أسمح أن تُنتزعـي من أي منهما
اتسعت عيناها ثم ضحكت والدموع تلمع فيهما
كانت تعرف أن الطريق ما زال صعبا
وأن رجال السلطة لا يتحولون إلى ملائكة
وأن ليث الريس سيظل خطرا حتى وهو يَعد بالحماية
لكنها عرفت أيضا أن بعض القصص لا تولد من الأمان
بل من النار
من الخوف
من الهمسة التي تقال في اللحظة المناسبة
ومن قلبين تعارفا أولا على حافة الاغتيال
وهكذا
في القصر الكبير في الزمالك
حيث كانت الخناجر تبتسم خلف الظهور
لم تعد نورا السعدي مجرد خادمة تعدل ربطة عنق الزعيم
بل المرأة التي أنقذت حياته وكسرت حصونه
وجعلته للمرة الأولى منذ سنوات طويلة
عندما ينظر إلى المستقبل لا يبحث فقط عن الأعداء
بل عن وجه واحد ينجو لأجله ويقاتل لأجله
ويعود حيّا كل مرة لأجله وحده








