ليث الريس

فبقيت وحدها مع الرجل الذي ربما أنقذته للتو وربما سلّمت نفسها له للأبد
قال دون أن يلتفت
هل أخبرك أحد يوما أنك شجاعة جدا أو غبية جدا
لم تعرف أيهما أخطر
فقالت بصوت منخفض
لم يخبرني أحد بشيء جيد منذ وقت طويل يا سيدي
صمت لحظة
ثم استدار ببطء
كانت عيناه ثابتتين عليها
لكن شيئا جديدا استقر فيهما
شيء أقل توحشا وأكثر حسابا
قال
فتشنا السيارة
حبست أنفاسها
فتح درج المكتب وأخرج كاتم صوت أسود صغيرا ووضعه على سطح الخشب أمامه
ثم أتبعه بمس’دس جلوك
ثم بطاقة تعريف تخص السائق فادي
قال
وجدنا هذا
شعرت بأن ساقيها تضعفان
لم تكن تتخيل أن يتحول ما سمعته مصادفة خلف المرآة إلى دليل حقيقي بهذا الشكل السريع
قال ليث
فادي اختفى قبل أن نستدعيه
وطارق لم يكن مريضا كما قلت
كان مكبلا في مخزن خارجي ومعه حارس مغمى عليه
ثم اقترب خطوة
هذا يعني أن من خطط الليلة ليس غبيا
بل يعرف نظام القصر من الداخل بدقة
ابتلعت نورا ريقها وقالت
أنا آسفة
لم أكن أقصد أن أتدخل
أنا فقط
قاطعها
أنقذت حياتي
تجمدت
لم تكن تتوقع منه شكرا
ولم يقله فعلا بتلك الطريقة
لكنه خرج منه كحقيقة جافة لا كامتنان
أشار إلى الكرسي المقابل
اجلسي
جلست بحذر على حافته وكأنها مستعدة للفرار في أي لحظة
سألها
كيف سمعت الكلام
أخبرته ما حدث بالتفصيل
كيف كانت تلمع المرآة في الصالون القريب من المدخل
وكيف سمعت فادي يتكلم في الهاتف بصوت منخفض
وكيف ذكر اسم ليث وموعد الخروج وتأخير السيارة وكاتم الصوت
وكيف تظاهرت بالانشغال خوفا من أن يراها
وكيف بقيت عاجزة حتى اللحظة التي وجدته فيها وحيدا في مكتبه قبل نزوله
كان يصغي دون أن يقاطع
وعيناه لا تفارقان وجهها
كأنه يقيس كل كلمة بميزان دقيق
عندما انتهت قال
ولماذا فعلت هذا
كان بإمكانك أن تصمتي
معظم الناس يفعلون
خفضت عينيها إلى يديها
وقالت بعد صمت
لأن الموت لا يجب أن يكون سهلا لهذه الدرجة
ولأن أختي في العناية المركزة
ولو مت أنت الليلة فالقصر كله سيتحول إلى حرب
وأنا لا أملك رفاهية أن أخسر عملي أو حياتي الآن
أنا فقط أردت أن أوقف شيئا أسوأ قبل أن يبدأ
ظلت عيناه عليها
ثم قال بهدوء غريب
تتكلمين كأنك رأيتِ من الخراب أكثر مما ينبغي لعمرك
رفعت عينيها إليه
قالت
عندما يموت الأب والأم في طريق معتم وتبقين أنتِ المسؤولة عن طفلة أصغر منك بأحد عشر عاما
تصيرين أكبر مما يجب يا سيدي
مر شيء خاطف في وجهه
شيء يشبه الفهم أو الذكرى
لكنه اختفى بسرعة
قال
كم عمر أختك
اثنا عشر
وما حالتها
قال الأطباء إن لديها نزيفا في الرئة ومضاعفات حادة بعد التهاب لم نعرفه مبكرا
المستشفى يرفض أن يكمل بعض الإجراءات إلا بعد سداد جزء من المبلغ
صمت
ثم اتكأ على حافة المكتب
من دفع مصاريف دخولها إلى المستشفى
قالت
استلفت من كل من أعرفهم
وبعت ذهب أمي
ولم يبق شيء
ظل ينظر إليها
ثم سأل سؤالا آخر بدا أكثر غرابة
هل أخبرتِ أحدا بما سمعته غيري
هزت رأسها
لا
أحد يراك تدخلين مكتبي
لا أظن
أحد يعلم أنك سمعت فادي
لا
أومأ ببطء
جيد
ثم ضغط زر الهاتف الداخلي
بعد ثوان دخل رجل خمسيني ببدلة داكنة وملامح جامدة
قال له ليث
هذا هو سامر
رئيس الأمن الخاص بي
من هذه اللحظة نورا تحت حمايتك المباشرة
لا تبتعد عنها عين واحدة








