ليث الريس

ثم سكون
تلاه صوت سامر
تمت السيطرة
أبعدها ليث عنه ببطء لكنه لم يترك كتفيها فورا
كانت عيناه تمشطان وجهها وعنقها وذراعيها
هل أُصبتِ
هزت رأسها وعيناها متسعتان من الصدمة
لا
أنزل يديه عنها ببطء
لكن أثر لمسته بقي يشتعل في جلدها أكثر من أي خوف
قال سامر بعد لحظات
المهاجم ممرض مزيف
ولديه حبوب سم أيضا
لكننا قبضنا عليه قبل أن يبتلعها
مرر ليث يده على جبينه ثم قال ببرود قاس
إذن رامي يائس فعلا
جيد
اليائسون يخطئون
التفت إلى نورا
الزيارة انتهت
سنعود إلى القصر
قالت وهي ما تزال تحت وقع الصدمة
إلى متى سيستمر هذا
نظر إليها لثانية طويلة
ثم قال
حتى أصل إلى رأس الأفعى
وعندما عادا إلى القصر كان بانتظارهما خبر آخر
تم تتبع آخر إشارة لهاتف نادر قبل القبض عليه إلى مخزن قديم على أطراف القاهرة مملوك لشركة وهمية مرتبطة برامي
أصدر ليث أوامره بالتحرك فورا
لكنه قبل أن يغادر التفت إلى نورا فجأة وقال
ستبقين هنا
قالت بعناد مفاجئ حتى نفسها
لا
أنا سمعت أسماءهم وأنا أميز بعض الوجوه
وإذا كان رامي يعرفني أصلا فبقائي هنا وحدي ليس أمانا
نظر إليها بحدة
المكان قد يكون فخا
قالت
وأنا لست أضعف مما تتصور
تبادل معها النظرات لحظة
ثم قال شيئا لم تتوقعه
هذا ما أخشاه
ساد بينهما صمت قصير غريب
ثم تنهد سامر كأنه لا يريد إضاعة الوقت
وأخيرا قال ليث
حسنا
لكن تلتزمين حرفيا بما أقوله
أومأت
انطلقت القافلة إلى المخزن قبيل الغروب
سيارات سوداء
رجال مدججون بالسلاح
سماء ملبدة بلون رمادي ثقيل
وكانت نورا تجلس في المقعد الخلفي قرب ليث تشعر أنها ابتعدت آلاف الأميال عن تلك الفتاة التي كانت بالأمس تنظف المرآة في صالون القصر
عندما وصلوا كان المخزن المهجور صامتا من الخارج
لكن سامر أكد أن هناك حركة حرارية داخله
انتشر الرجال حول المكان
وأمر ليث نورا بالبقاء داخل السيارة
هذه المرة لم تعترض
كانت تعرف أن حدود الشجاعة لا تعني الغباء
مرت دقائق مشحونة
ثم دوى إطلاق نار حقيقي هذه المرة
عنيف وسريع
تطاير زجاج من النوافذ العلوية
واختلطت الأوامر بالصراخ
رأت رجال ليث يقتحمون من جهتين
ورأت شخصين يحاولان الهرب من الباب الخلفي فيسقط أحدهما فورا
أما الآخر فركض نحو الساحة المفتوحة
وركبت سيارة سوداء فجأة وانطلقت كالسهم
صرخ سامر باسم رامي
ثم اندفع وراء السيارة
وفي اللحظة نفسها التفت ليث إلى الطريق الآخر ورأى شيئا جعل وجهه يتجمد
شخص ثالث كان يخرج من الجهة الجانبية حاملا بندقية موجهة مباشرة نحو السيارة التي تجلس فيها نورا
لم تره هي إلا عندما فتح ليث الباب بعنف وسحبها إلى الخارج بقوة
لف جسده حولها في اللحظة نفسها
ثم دوى الرصاص
سقط الاثنان أرضا خلف الحاجز الإسمنتي
كانت أنفاسها محبوسة
وشعرت بثقل جسده فوقها
ثم دفء سائل يلامس يدها
همست بفزع
ليث
رفع رأسه قليلا
وكان وجهه شاحبا لأول مرة
قال بصوت خافت
أنا بخير
لكن الدم كان ينزف من جانبه بوضوح
لم تمهله ليكمل
الرجل المهاجم سقط بعد رصاصتين من رجال الأمن
وجاء سامر راكضا
تم إسعاف ليث بسرعة داخل السيارة نفسها
بينما قبضوا على رجلين آخرين أحياء
أما رامي فاختفى مرة أخرى
لكنهم وجدوا في المخزن ملفات وأجهزة وتحويلات مالية تكفي لإسقاط نصف الشبكة
في المستشفى رفض ليث أن يُنقل إلى جناح عام
واختار العودة إلى القصر بعد استخراج الرصاصة السطحية وإغلاق الجرح
كان الألم واضحا في عينيه هذه المرة مهما حاول إخفاءه
وعندما دخل جناحه ليلا وجد نورا تنتظره في الصالة الصغيرة وقد بدت عليها آثار البكاء الصامت
قال بصوت متعب
ظننتك نائمة
أجابت
وأنت تنزف بسببي
قال وهو يخلع سترته بصعوبة
ليس بسببك
بسبب رجل أرعن أخطأ الهدف
اقتربت منه دون وعي ثم توقفت
قالت
كنت ستُقت’ل
ابتسم ابتسامة مرهقة
للمرة الثانية تنقذينني من فكرة سيئة
الأولى حين حذرتني
والثانية حين أجبرتني على إحضارك معي
فلو بقيت في السيارة دون أن أراك ربما لم أنتبه لذلك الرجل بهذه السرعة
امتلأت عيناها مجددا
وقالت بصوت منخفض
لا تتكلم كأن الأمر عادي
حدق فيها طويلا
ثم قال بهدوء غير مسبوق
ليس عاديا يا نورا
منذ سنوات لم أخف على أحد بهذه الطريقة
تجمدت في مكانها
كان التعب قد نزَع من صوته بعض دروعه المعتادة
فخرجت الجملة أكثر صدقا وخطورة
قالت بعد صمت
وأنا منذ سنوات لم أثق بأحد بهذه السرعة
وهذا يخيفني أيضا
اقترب خطوة رغم الألم
حتى صار بينهما مسافة نفس واحد
قال
يجب أن يخيفك
أنا لست رجلا آمنا
همست
أعرف
ثم لم يعرف أيهما اقترب أولا
هي أم هو
لكن اللحظة انكسرت عندما دوى هاتف سامر بإشارة عاجلة
دخل الرجل فورا من الباب الخارجي وقال
وجدنا رامي
ابتعد ليث عنها ببطء
وعاد الجليد إلى ملامحه العملية
أين
في المرسى الخاص على النيل
يحاول الهرب بالقارب
لم يتردد ثانية
التقط سلاحه رغم اعتراض سامر والأطباء
ونظر إلى نورا
ستبقين هنا هذه المرة
وإذا لم أعد قبل الفجر
قاطعته بنظرة حادة دامعة
لا تقلها
سكت لحظة
ثم قال بصوت أخفض
سأعود
خرج تاركا خلفه أثره كله في الهواء
وبقيت نورا وحدها تسمع قلبها وتنتظر الفجر الذي طال كالعذاب
راحت تمشي في الجناح جيئة وذهابا
تدعو
تبكي
تتخيل
ثم تدعو من جديد
حتى بدا لها أن الليل لن ينتهي أبدا
لكن قبل الأذان بقليل فُتح الباب
دخل سامر أولا
ثم دخل ليث خلفه
متعبا ومبللا بماء النيل والعرق والدم
لكن حيا
وقفت مكانها غير مصدقة
قال سامر باقتضاب
انتهى الأمر
رامي قُبض عليه
واعترف نادر قبل ساعات بعد مواجهة الأدلة
كانت خطة طويلة لانتزاع السيطرة على الشركات وتصفية الأستاذ ليث
وفادي مجرد أداة
أغلق الباب وانسحب ليتركهما وحدهما
ظل ليث واقفا ينظر إليها لحظة
ثم قال بصوت خافت متعب
انتهت الحرب الأولى
اقتربت منه هذه المرة بلا خوف
وقالت
والثانية
رد وهو يترك السلاح على الطاولة
الثانية ستكون أصعب
سألته
أي حرب
نظر في عينيها مباشرة
الحرب التي تبدأ عندما تنجو من الموت فتكتشف أن قلبك اختار التوقيت الأسوأ ليفعل ما يشاء
لم تستطع الكلام
فهو أكمل
أنتِ دخلتِ حياتي كتحذير هامس عند ربطة عنق
ثم قلبتِ كل شيء
وهذا لا يريحني
لكنه صار حقيقة
انخفض صوتها وهي تكاد ترتجف
أنا خادمة من حي شعبي وأنت رجل يخشاه الجميع
ما الذي يمكن أن يبدأ بين عالمين كهذين
قال
شيء لا يعجب الناس
لكنه لا يطلب إذنهم
وفي الخارج بدأ أذان الفجر يرتفع فوق القاهرة
هادئا
مضيئا

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى