رفضته لصغر سنه وتزوجت اخيه بقلم اسما السيد

وحين وقفت ذات مرة في مواجهة كلامٍ جارح من إحدى النساء، وجدته يتدخل بهدوء، دون صخب، دون استعراض. قالت المرأة شيئًا عن “السن”أ،

فأجاب هو بثبات: العمر لا يُقاس إلا بما يحمله صاحبه.

نظرت إليه، وشعرت للمرة الأولى أن دفاعه عنها لا يحمل انتظارًا للمقابل.

في تلك الليلة، جلست وحدها، تعيد النظر في أسباب رفضها.

سألت نفسها بصدق: هل كان الرفض خوفًا عليه؟

أم خوفًا من مواجهة الناس؟

وللمرة الأولى، لم يكن الجواب واضحًا.

كان الاقتراب قد بدأ، لا بخطوات كبيرة، بل بتراجع بطيء عن المسافة القديمة.

ولم تكن تعلم إن كان هذا الاقتراب سيقودها إلى الطمأنينة، أم إلى مواجهة مؤلـ,ـمة لا مفر منها.

لكنها كانت تعلم شيئًا واحدًا… أنها لم تعد قادرة على تجاهل ما يحدث.

لم تعد الأسئلة قابلة للتأجيل…ذلك الاقتراب الهادئ، الذي بدأ بلا نية معلنة، صار أثقل من أن يُحتمل دون كلام….كانت تشعر أن كل صمت جديد يراكم سوء الفهم، وأن الهروب لم يعد ممكنًا كما كان من قبل.

في مساء هادئ، حين خلا البيت إلا منهما، وجدته جالسًا في الفناء، ينظر إلى الأرض كأنها تحمل إجابة لا يعرف كيف يطلبها.

ترددت قبل أن تقترب، لكنها فعلت.

قالت بصوت منخفض:علينا أن نتحدث.

رفع رأسه ببطء، وكأن الكلمات كانت تنتظره منذ زمن: كنت أعلم أن هذه اللحظة ستأتي.

جلست قبالته، وضمّت يديها إلى بعضهما، محاولة أن تثبّت ارتجافهما.

قالت: أنا لا أرفضك لأنك أصغر مني. لم يكن العمر يومًا المشكلة الحقيقية.

نظر إليها باهتمام، دون مقاطعة….إذن لماذا؟

تنفست بعمق، ثم إجابته : لانني خفت. خفت من الناس، ومن كلامهم، ومن أن أضعك في مواجهة لا تستحقها. اخترت الطريق الأسهل، وسميته تضحية.

ابتسم ابتسامة قصيرة، وفيها شيء من الألم…

=هل تعلمين ما الذي آلمني أكثر من رفضك؟

هزّت رأسها نفيًا….أنكِ لم تمنحيني فرصة أن أختار. قررتِ نيابةً عني أنني لن أحتمل.

سكت قليلًا، ثم تابع بصوت أكثر هدوءًا:

— «سافرت وأنا أحمل شعورًا بأنني لم أكن كافيًا… لا لكِ، ولا لنفسي.

اغرورقت عيناها بالدموع….م أقصد أن أؤذيك.

أجاب: أعلم. لكن النوايا الطيبة لا تمنع الألم.

ساد صمت طويل. لم يكن صمتًا متوترًا، بل صمت اعتراف متبادل.

قالت أخيرًا: لآن الأمر مختلف. هناك أولاد، وهناك عرف، وهناك ضغط… وأنا لا أريد أن أكرر الخطأ.

نظر إليها بثبات: وأنا لا أريد زواجًا يُبنى على الخوف، ولا قبولًا بدافع الضعف.

اقترب قليلًا، دون أن يتجاوز حدودها…ان اخترتِ الرفض، فسأحترمه. لكن إن اخترتِ القبول، فليكن لأنكِ ترينني رجلًا، لا حلًا.

أغمضت عينيها لحظة…كانت تسمع صوت الماضي، وصوت الناس، وصوت قلبها، وكلها تتنازعها….فتحت عينيها، وقالت بصوت أكثر وضوحًا: ان قبلت، فلن يكون لأن العرف أجبرني، بل لأني أريد أن أبدأ من جديد… بلا شعور بالذنب.

لم يبتسم، ولم يحتفل…اكتفى بأن قال: هذا كل ما أردته يومًا.

في اليوم التالي، حين اجتمعت العائلة، لم تكن نظرتها منكسة، ولا صوتها مرتجفًا.

قالت قرارها بهدوء، وحددت شروطها بوضوح.

لم يكن الجميع راضيًا، لكنهم لم يجدوا ما يعارضون به امرأة تتكلم بثبات.

أما هو، فوقف إلى جوارها، لا أمامها، ولا خلفها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى